الكورتيزون والصدفية.. ليه ممنوع؟

"الكورتيزون والصدفية.. ليه ممنوع؟"

"يا دكتور، المرة الفاتت أدوني حقنة كورتيزون وتحسنت في أسبوع! ليه إنت ضدها؟"

ده من أصعب المواقف اللي بواجهها في العيادة، المريض جاي فرحان ومبسوط يحكي ليك إنو أخذ حقنة وجلده نضف في أيام، وإنت لازم تقول ليهو إنو الحقنة دي ممكن تكون أخطر حاجة حصلت ليهو، الزول بعاين ليك بنظرة ما مصدقة وبفتكر إنك بتعقد الموضوع، الحقيقة إنو الكورتيزون الجهازي في الصدفية هو أوضح مثال في الطب على مقولة "الراحة القصيرة بتجيب الكارثة الطويلة"، والليلة حنفهم الآلية وراء ده بالتفصيل عشان القناعة تكون علمية ما عاطفية.

التحسن السريع: الخدعة الكبيرة

الكورتيزون الجهازي (سواء حقنة عضل أو حبوب) فعلاً بحسن الصدفية بسرعة مذهلة، السبب إنو الكورتيزون بكبت تنضيج الخلايا الشجرية وبوقف خلايا Th17 عن إفراز IL-17 وبمنع خلايا الجلد من إفراز المواد الالتهابية، يعني بطفي كل حلقات السلسلة اللي شرحناها في بوست "الشرارة الأولى" دفعة واحدة، المريض بشوف جلده بنضف بسرعة وبحس إنو لقى "الحل السحري".

المشكلة إنو الكورتيزون ما بطفي الحريق فعلاً، هو بكبته بالقوة، تخيل إنك ماسك غطاء حديد فوق حلة ضغط على النار: البخار اللي جوه اختفى من نظرك، لكن الضغط قاعد يتراكم تحت الغطاء، ولما ترفع الغطاء (توقف الكورتيزون)، الانفجار بيكون أعنف بكتير من الأصل.

الارتداد: الانفجار بعد الهدوء الكاذب

اللي بيحصل على المستوى الجزيئي لما توقف الكورتيزون مرعب فعلاً، طول فترة الكبت، الخلايا الشجرية والخلايا المناعية كانت "محبوسة" ومكبوتة وقاعدة تتراكم، والجينات المسؤولة عن إنتاج المواد الالتهابية زي IL-23 وIL-17 وIL-36 كانت مكبوتة زي "زمبرك" مضغوط، لحظة ما الكورتيزون ينزل في الدم، الزمبرك بنفك دفعة واحدة: IL-23 بيرتفع بقوة مضاعفة، خلايا Th17 بتنشط بشراسة أكبر من الفاتت، وخلايا الذاكرة (TRM) النايمة اللي حكينا عنها في بوست "الندبة الخفية" كلها بتصحى في نفس اللحظة، النتيجة إنو المرض برجع أشد وأوسع وممكن يتحول من صدفية لويحية "عادية" لصدفية بثرية معممة أو صدفية احمرارية، يعني واحدة من الكارثتين اللي لسه متكلمين عنهم في البوست الفات.

الأدلة التاريخية

الموضوع ده ما كلام نظري ولا "احتمالات"، الأدلة موثقة من عقود، أقدم توثيق منهجي كان سلسلة Baker وRyan في 1968 اللي لقت إنو ثلث حالات الصدفية البثرية المعممة كان سببها سحب الكورتيزون، بعدها Augey في 2006 في سجل فرنسي كبير أكد إنو 44% من حالات الصدفية البثرية الحادة كانت بسبب الكورتيزون الجهازي، وسلسلة Boyd وMenter الشهيرة في 1989 وثقت نفس الخطر في التحول للصدفية الاحمرارية، يعني على مدى أكتر من خمسين سنة، الأدلة متراكمة ومتسقة كلها بتقول نفس الكلام.

المشكلة المضاعفة: التعود والاعتماد

الكارثة ما بتقيف عند الارتداد، في ظاهرة اسمها (Tachyphylaxis) معناها إنو الجسم بتعود على الكورتيزون ومع الوقت بحتاج جرعات أعلى عشان يدي نفس التأثير، فالمريض ببدأ بحقنة كل شهرين، بعدين كل شهر، بعدين كل أسبوعين، وكل مرة الجرعة بتزيد والفترة بتقصر، وفوق ده كله، الاستخدام المطول بكبت محور الغدة النخامية-الكظرية (HPA Axis)، يعني الجسم ببطل ينتج الكورتيزول الطبيعي بتاعه، فلما توقف الكورتيزون فجأة، ما بس الصدفية بتنفجر، الجسم كمان ممكن يدخل في أزمة كظرية (Adrenal Crisis) خطيرة على الحياة.

وده من غير ما نذكر السموم المعروفة للكورتيزون طويل الأمد: هشاشة العظام، ارتفاع السكر، ارتفاع الضغط، المياه البيضاء (الكاتاراكت)، ضعف المناعة والعدوى، واضطرابات المزاج، يعني المريض بدفع ضريبة مضاعفة: ضريبة الارتداد وضريبة السمية المزمنة.

طيب الخطر ده قدر شنو فعلاً؟

عشان نكون منصفين علمياً، لازم نذكر إنو الدراسات الحديثة بتقول إنو "النسبة المطلقة" للارتداد الكارثي ممكن تكون أقل مما نفتكر، دراسة Gregoire في 2021 على حوالي 2000 مريض لقت إنو نسبة الهيجان خلال 3 شهور من أول كورس كورتيزون كانت 1.42% بس، وما حصلت ولا حالة صدفية بثرية وحالة احمرارية واحدة بس، ومراجعات Long في 2022 وVincken في 2022 وصلوا لنتائج قريبة.

يعني الارتداد الشديد ما "حتمي" في كل مريض، الخطر المطلق قليل عددياً، لكن المشكلة إنو لما يحصل بيكون "كارثي" نوعياً، الصدفية البثرية والاحمرارية ممكن تقتل، وده الفرق بين خطر "نادر" وخطر "مقبول": لو الارتداد كان بجيب صدفية أشد شوية وبس، كنا ممكن نتعايش معاه، لكن لما الارتداد يجيب حالة ممكن تودي الزول للعناية المركزة أو القبر، النسبة مهما كانت صغيرة ما مقبولة، خصوصاً إنو عندنا بدائل كتيرة وفعالة.

موقف العالم كله: ممنوع

عشان كدة كل المرجعيات العالمية بلا استثناء بتحذر من الكورتيزون الجهازي في الصدفية وبتحذفه تماماً من أي خوارزمية علاجية، الأكاديمية الأمريكية للجلدية (AAD-NPF)، والجمعية البريطانية للجلدية (BAD)، ومعهد NICE البريطاني، والمرجعية الأوروبية (EuroGuiDerm S3)، كلهم بيقولوا نفس الكلام: ما في مكان للكورتيزون الجهازي في علاج الصدفية، ما في جملة أوضح من كدة.

الاستثناءات الضيقة جداً

هل في أي ظرف مسموح فيه؟ الإجابة: في حالات ما ليها علاقة بالصدفية نفسها، لو المريض عنده حساسية مفرطة (Anaphylaxis) أو أزمة ربو شديدة أو ذئبة حمراء بتهدد عضو حيوي أو حالة توليدية طارئة، هنا الكورتيزون بتاخذ عشان السبب التاني تحت إشراف متخصص مع وعي كامل بخطر هيجان الصدفية، والاستثناء الوحيد "المفصلي" هو حقن الكورتيزون داخل المفصل (Intra-articular) لالتهاب مفاصل صدفي في مفصل واحد فقط، وده معتمد من مرجعيات GRAPPA وEULAR لأنو الجرعة محلية وما بتوصل الدم بكمية تسبب ارتداد جلدي.

الرسالة لكل مريض ولكل طبيب

لو إنت مريض صدفية وأي طبيب (سواء طبيب عام أو باطنية أو عظام أو حتى أسنان) كتب ليك كورتيزون جهازي (حبوب أو حقنة عضل أو وريد)، من حقك تسأله: "هل عارف إنو عندي صدفية؟" ولو إنت طبيب وجاك مريض بحكي ليك عن "قشور" في جلده وطالب حقنة كورتيزون عشان "يرتاح"، تذكر إنو الراحة دي ممكن تكلفه حياته، عندنا الليلة بيولوجيات وحبوب فموية وكريمات حديثة بتنضف الجلد تنضيف أفضل من الكورتيزون بدون أي خطر ارتداد، ما عندنا عذر

طيب، لو الكورتيزون الجهازي ممنوع، العلاج الصحيح ببدأ من وين؟ أول خطوة هي إننا نفهم كيف بنقيس شدة المرض ونقرر هل المريض محتاج كريمات بس ولا حبوب ولا بيولوجي، وده اللي حنشرحه المرة الجاية.

البوست القادم: "من الخفيف للشديد.. كيف بنقيس ونقرر؟"

#عيادات_بيت_العافية #عيادة_الجلدية_أون_لاين #الصدفية

⚕️ هذا المحتوى للتثقيف الصحي العام ولا يغني عن الاستشارة الطبية. لحالتك الخاصة يمكنك حجز استشارة بالعيادة.
استشارة عبر واتسابتابعنا على تلغرام