
الحساسية المزمنة (الأرتيكاريا).. لما الجواب يكون في المعدة
"يا دكتور، أنا من ستة شهور جلدي ملان شرى، وبتحكني حك ما طبيعي، بتروح وتجي، جربت كل حاجة وما فادتني حاجة!"
الشكوى دي بسمعها في العيادة على الدوام، والمريض بكون وصل لمرحلة يأس حقيقية، جرب مضادات الهيستامين العادية، جرب الجرعات المضاعفة، جرب الكريمات، جرب حمية الأكل، وقف أدوية، غير صابون، غير منظف الملابس، ولسه الحكة ما بتقيف، والطفح برجع كل يوم وشوية
الحالة دي طبياً اسمها "الأرتيكاريا العفوية المزمنة" أو (Chronic Spontaneous Urticaria - CSU)، وتعريفها ببساطة هو: طفح جلدي منتفخ وحاك بستمر أكتر من ستة أسابيع من غير ما نلقى ليه سبب واضح.
كلمة "عفوية" هنا مهمة، لأنها بتعني إنو الطفح بجي من تلقاء نفسه من غير محفز خارجي محدد زي أكل معين أو دواء معين، المريض بقول ليك "والله ما أكلت حاجة غريبة"، وبكون صادق فعلاً، لأنو المحفز في كتير من الحالات ما خارجي، هو داخلي وقاعد يشتغل من جوه.
وهنا بالضبط ممكن يدخل دور جرثومة المعدة، من بين كل الأمراض الجلدية اللي درسها العلماء وعلاقتها بـ H. pylori، الأرتيكاريا المزمنة هي اللي عندها أقوى وأمتن دليل علمي، الباحث قو (Gu) وفريقه في 2015 جمعوا 16 دراسة فيها 965 مريض أرتيكاريا و 1,235 شخص سليم، ولقوا إنو نسبة الإصابة بـ H. pylori في مرضى الأرتيكاريا أعلى بصورة ملحوظة من الأصحاء، يعني مرضى الأرتكاريا المزمنة عندهم احتمال أكبر بـ 66% إنهم يكونوا حاملين للجرثومة مقارنة بالناس العاديين.
والمثير إنو النسبة دي بتتفاوت حسب المنطقة الجغرافية: في الشرق الأوسط (ودي المنطقة الأقرب لينا) العلاقة كانت أقوى بكتير، فمرضى الأرتكاريا في منطقتنا عندهم تقريباً تلاتة أضعاف احتمال إنهم يكونوا موجبين للجرثومة.
بس السؤال المهم: لو عالجنا الجرثومة، الأرتيكاريا بتتحسن فعلاً؟
هنا الأدلة بتبقى مشوقة جداً، الباحث واتانابي (Watanabe) في 2021 عمل تحليل تجميعي لـ 9 تجارب عشوائية محكمة (RCTs) شملت 361 مريض، ولقى إنو مرضى الأرتكاريا اللي اتعالجوا من H. pylori كانت نسبة الشفاء التام عندهم أعلى بأربعة أضعاف تقريباً من اللي ما اتعالجوا (RR 3.99). وده كان بأعلى درجة يقين علمي اتحققت في أي دراسة ربطت بين H. pylori وأي مرض جلدي تاني.
دراسة تانية (Federman 2003) لقت إنو 30.9% من مرضى الأرتكاريا اللي اتعالجوا من الجرثومة حصل عندهم شفاء تام، مقارنة بـ 13.5% بس في الناس اللي ما اتعالجوا.
والباحثة ماجن (Magen) في 2013 تابعت المرضى لفترة أطول وسجلت حاجة جميلة: شدة الأرتيكاريا كانت 5.29 نقطة في البداية، نزلت لـ 3.62 في الأسبوع الثامن بعد العلاج، وواصلت تنزل لحدي ما وصلت 1.17 في الأسبوع الثامن والعشرين، و 27.8% من المرضى حققوا حرية كاملة من الأعراض، يعني التحسن ما فوري، هو تدريجي وبمشي ببطء على مدى أسابيع وشهور، والذروة بتكون بعد 4 لـ 7 أشهر من العلاج. وده معناه إنو المريض ما لازم يستعجل ويقول "ما نفع معاي" بعد فترة بسيطة.
ولو حسبنا الأرقام بطريقة "الطبيب العملي"، حنلقى إنو من بين كل 6 مرضى أرتكاريا مزمنة موجبين لـ H. pylori نعالجهم، واحد فيهم حيتحسن تحسن كامل بسبب العلاج ده، الرقم ده بنسميه (NNT = 6) أو "عدد اللازم علاجهم"، وده رقم كويس جداً في الطب، لأنو معناه إنو العلاج بفيد نسبة معتبرة من الناس.
وهنا لازم نخلي بالنا وننتبه للجزء المحير من القصة، في دراسة مهمة (Kim 2019) لقت نتيجة غريبة: مرضى الأرتكاريا اللي أخدوا علاج الجرثومة ونجحوا يقضوا عليها، ومرضى الأرتكاريا اللي أخدوا نفس العلاج وما نجحوا يقضوا عليها، التحسن في الجلد كان متشابه في المجموعتي! يعني ما فرق الجرثومة ماتت ولا ما ماتت، الاتنين اتحسنوا بنفس النسبة.
الاكتشاف ده بيطرح سؤال محير جداً: هل التحسن بيجي فعلاً من قتل الجرثومة ذاتها؟ ولا المضادات الحيوية اللي بنستخدمها في العلاج (الكلاريثرومايسين والميترونيدازول) هي اللي بتعمل الشغل، لأنها عندها تأثيرات مضادة للالتهاب ومغيرة للميكروبيوم بغض النظر عن الجرثومة؟
السؤال ده لسه ما عنده إجابة قاطعة، والعلم لسه شغال عليه، والنزاهة العلمية بتقتضي إننا نقول للمريض: "في احتمال كبير تتحسن لو عالجنا الجرثومة، والدليل على كدة قوي، بس ما متأكدين 100% هل التحسن من قتل الجرثومة نفسها ولا من تأثير الأدوية على المناعة والبكتيريا النافعة".
الحاجة المهمة كمان إنو في مؤشرات بتقول لينا منو اللي حيستفيد أكتر من العلاج، الباحث ميناميي (Minami) في 2014 لقى إنو المرضى اللي عندهم أجسام مضادة ضد H. pylori بمستوى عالي (أكتر من 40 وحدة/مل) كانوا ما بستجيبوا لمضادات الهيستامين أصلاً (0% استجابة)، لكن لما عالجوا الجرثومة، 56% منهم حققوا شفاء كامل، يعني كأنو الناس اللي "مناعتهم متهيجة أكتر" ضد الجرثومة هم اللي بستفيدوا أكتر من علاجها، وكمان المرضى اللي عندهم أعراض هضمية مصاحبة (مغص، حموضة، انتفاخ) بستفيدوا أكتر من الناس اللي بطونهم مرتاحة.
الخلاصة العملية اللي أقدر أقولها ليك: لو عندك أرتكاريا مزمنة (حساسية ليها أكتر من ستة أسابيع) وما بتستجيب لمضادات الهيستامين، الخطوة المنطقية هي إنك تفحص لـ H. pylori. الفحص سهل وبسيط (حنشرحه بالتفصيل في بوست لاحق). لو طلع إيجابي، العلاج ممكن يكون هو الفرج اللي بتستناهو، وتوقع التحسن ببدأ تدريجياً خلال 8 لـ 28 أسبوع، ولو طلع سلبي، فكدة بنكون استبعدنا سبب مهم وبنمشي نفتش في اتجاهات تانية.
طيب الأرتكاريا دي هي المرض اللي عنده أقوى دليل، بس في أمراض جلدية تانية ليها علاقة بالجرثومة، زي الوردية (احمرار الوجه) والصدفية وحتى تساقط الشعر.
القصة هناك أعقد شوية والأدلة أضعف، وده اللي حنفككه في البوست الجاي.
البوست القادم: الوردية والصدفية وتساقط الشعر.. العلم بقول شنو بالضبط؟
#عيادات_بيت_العافية #عيادة_الجلدية_أون_لاين #جرثومة_المعدة_والجلد
