معدتك بتتكلم مع جلدك- والرسائل بينهم بتمشي في الدم

معدتك بتتكلم مع جلدك- والرسائل بينهم بتمشي في الدم

"يا دكتور، أنا جاي عشان الحساسية في جلدي، شنو دخل المعدة في الموضوع؟"

ده السؤال اللي بشوف فيه استغراب حقيقي في عيون المريض لما أطلب منه يعمل فحص جرثومة معدة وهو جاي يشتكي من حكة أو احمرار في وشه أو طفح في جلده، وأنا ما بلومو، لأنو في ذهن أغلب الناس المعدة حاجة والجلد ديل "جيران بعاد" ما بعرفوا بعض.

الحقيقة العلمية اللي اتكشفت في العقدين الأخيرين بتقول العكس تماماً: المعدة والجلد ما بس جيران، ديل "توأم" متصلين بخط ساخن مفتوح 24 ساعة، والخط ده اسمه "محور الأمعاء والجلد" أو (Gut-Skin Axis).

عشان نفهم المحور ده، خلونا نتخيل جسمك كـ "دولة" كبيرة، المعدة والأمعاء هي "الميناء الرئيسي" اللي بتدخل منه كل حاجة من بره (الأكل والشراب والبكتيريا)، والجلد هو "السور الخارجي" اللي بحمي الدولة من الجو والميكروبات، الاتنين ديل عندهم تشابه بيولوجي عميق في التركيب وفي طريقة استجابتهم للالتهاب، والاتنين متصلين ببعض عبر تلاتة خطوط اتصال رئيسية: الدم، والجهاز المناعي، والجهاز العصبي.

الليلة حنركز على الخط الأول والأهم: الدم، لما جرثومة المعدة تستوطن المعدة وتبدأ تحفر في الجدار المخاطي، المعدة ما بتقعد ساكتة، خلايا الجدار بتبدأ تصرخ وتطلق "رسائل استغاثة" كيميائية في مجرى الدم، الرسائل دي اسمها العلمي السايتوكينات (Cytokines)، تخيل الرسائل دي كأنها "برقيات حرب" بتنتشر في الدم وبتصل لكل أعضاء الجسم، قائلة: "في عدو هنا، حركوا الجنود"، لكن البرقيات دي ما بتقيف عند المعدة بس، وإنما بتصل للجلد كمان، وبكده الخلايا المناعية هناك بتدخل في حالة استنفار وبتبدأ تتصرف بعدوانية، وده بيظهر على شكل احمرار، وحكة، وطفح، وحبوب مع أقل مهيج.

يعني الموضوع زي ما بحصل في الحروب: لما منطقة من مناطق الدولة يقع فيها صراع مسلح (المعدة)، الآثار ما بتقعد في المنطقة دي بس، الاقتصاد بتأثر والبنية التحتية بتتهدم في كل مكان (الجلد والمفاصل وباقي الجسم). الالتهاب المزمن في المعدة ما "محلي"، هو "نظامي" (Systemic Inflammation)، وده المفتاح اللي بفسر لينا ليه بكتيريا ساكنة في البطن بتأثر على حاجة بعيدة عنها زي الجلد.

الخط التاني للاتصال وده "الخطير" فعلاً، اسمه "التقليد الجزيئي" أو (Molecular Mimicry). عشان نفهمه، تخيل إنو الجهاز المناعي عنده ألبوم صور للمطلوبين (البكتيريا والفيروسات)، وكل ما يلقى حاجة شبه الصورة الموجودة في الألبوم بيضربها.

المشكلة إنو بعض البروتينات الموجودة على سطح H. pylori شكلها بيشبه لحد كبير بروتينات موجودة في خلايا جسمنا نحنا، فالجهاز المناعي لما يصنع أجسام مضادة ضد الجرثومة، الأجسام المضادة دي بتمشي تفتش في الجسم عبر الدم، ولما تلقى بروتين في الجلد أو في أي مكان تاني "شبه" بروتين الجرثومة، بتضربه بالغلط، يعني المناعة بتفتح "نار صديقة" (Friendly Fire) وبتهاجم خلايا جسمك ظناً منها إنها عدو.

الموضوع ده مثبت علمياً في مرض الحساسية المزمنة (الأرتيكاريا): في 30% لـ 50% من مرضى الأرتيكاريا المزمنة، الجسم بيصنع أجسام مضادة ذاتية ضد مستقبل اسمه (FcεRIα) الموجود على سطح الخلايا الصارية (Mast Cells) في الجلد، الأجسام المضادة دي بتنشطها وبتخليها تنفجر وتفرز الهيستامين اللي بسبب الحكة والانتفاخ، والعلماء بيعتقدوا إنو التشابه بين بروتينات H. pylori وبين المستقبل ده هو اللي بيحفز إنتاج الأجسام المضادة الذاتية دي.

وبالكلام عن الهيستامين، وصلنا للخط التالت: H. pylori عندها علاقة مباشرة بالهيستامين، المعدة هي أكبر مصنع للهيستامين في الجسم أصلاً، لأنو الهيستامين بلعب دور في إفراز حمض المعدة، فلما الجرثومة تعمل التهاب مزمن في جدار المعدة، المصنع ده بتلخبط وببدأ يفرز هيستامين زيادة عن اللزوم. الهيستامين الزايد ده بمشي في الدم ويوصل للجلد، وأي زول عنده استعداد للحساسية الجلدية، الجرعة الزايدة دي بتكون هي "القشة اللي قصمت ظهر البعير" وبتخلي الحكة والطفح يهيجوا عليه.

وفي بعد رابع مهم جداً لازم ما ننساه: الميكروبيوم (Microbiome). في بطنك عايشة تريليونات من البكتيريا النافعة (اتكلمنا عنها في سلسلة المناعة الذاتية)، ودي بتعمل توازن دقيق بأثر على المناعة والجلد، أها لما H. pylori تستوطن المعدة وتعمل التهاب مزمن، التوازن ده بتلخبط، بعض البكتيريا النافعة بتموت، والبكتيريا الضارة بتتكاثر، وده بيعمل حالة اسمها (Gut Dysbiosis) أو "اختلال التوازن البكتيري". الاختلال ده ما بأثر بس على البطن، كمان بأثر على الجلد، لأنو توازن بكتيريا البطن وتوازن بكتيريا الجلد مرتبطين ببعض ارتباط وثيق.

يعني لو جمعنا الصورة كلها مع بعض، لما نعالج الجرثومة في بعض المرضى وننجح نقضي عليها، "برقيات الحرب" بتقيف، والأجسام المضادة الذاتية بتقل، والهيستامين بنزل، والتوازن البكتيري ببدأ يتعافى، والمحصلة إنو مريض الكان بيعاني من حساسية جلدية مزمنة لشهور وسنين، فجأة الجلد بتاعو يهدأ ويتحسن بدون ما نغير أي حاجة في كريماته أو أدويته الجلدية، بمجرد إننا عالجنا "المصدر" القاعد في البطن.

وبعد فهمنا "الجسر" اللي بربط المعدة بالجلد، في البوستات الأربعة الجاية، حنمشي على الجسر ده ونعاين لكل مرض جلدي على حدة: حنبدأ بالمرض اللي عنده أقوى دليل علمي على العلاقة بجرثومة المعدة، وده مرض "الأرتيكاريا المزمنة". لو إنت أو زول بتعرفه بيعاني من الحكة المزمنة دي، البوست الجاي ممكن يكون فيه الإجابة اللي بتفتشوا عنها من زمان.

البوست القادم: الحساسية المزمنة (الأرتيكاريا).. لما الجواب يكون في المعدة.

#عيادات_بيت_العافية #عيادة_الجلدية_أون_لاين #جرثومة_المعدة_والجلد

⚕️ هذا المحتوى للتثقيف الصحي العام ولا يغني عن الاستشارة الطبية. لحالتك الخاصة يمكنك حجز استشارة بالعيادة.
استشارة عبر واتسابتابعنا على تلغرام