
راكب قديم.. 100,000 سنة من العيشة المشتركة
"يا دكتور، يعني البكتيريا دي جاتنا من وين أصلاً؟ من الأكل الملوث ولا من الموية؟"
ده السؤال المنطقي اللي أي زول بيسأله لما يعرف إنو عنده جرثومة المعدة، وغالباً بيفتكر إنو "التقطها" من مطعم أو من موية ملوثة قريب، الإجابة الحقيقية أغرب بكتير من كدة وأعمق من أي حاجة ممكن تتخيلها، لأنو البكتيريا دي ما "جاتنا" من أي مكان، هي كانت معانا من الأول خالص، من قبل ما نعرف نكتب أو نقرأ أو نبني مدن، من قبل ما البشرية تطلع من أفريقيا أصلاً.
العلماء في سنة 2007 نشروا دراسة مفصلية في مجلة Nature غيرت فهمنا للبكتيريا دي تماماً، الباحث لينز (Linz) وفريقه جمعوا عينات من جرثومة المعدة من ناس في كل أنحاء العالم، وبدأوا يحللوا الحمض النووي (DNA) حقها، واللي لقوه كان مذهل: كل ما ابتعدت عن شرق أفريقيا جغرافياً، التنوع الجيني للبكتيريا بقل بصورة منتظمة ومتدرجة.
الاكتشاف ده هو نفس النمط بالضبط اللي بنشوفه في جينات البشر أنفسهم، وبنسميه علمياً "تأثير المؤسس المتسلسل" (Serial Founder Effect). يعني كأنو البكتيريا دي طلعت مع الإنسان من أفريقيا وهاجرت معاه خطوة بخطوة، ركبت معاه نفس الرحلة وعدت معاه نفس المحيطات.
عشان تفهم الحكاية دي، لازم تستوعب إنو جدك الأكبر قبل 100,000 سنة كان عايش في شرق أفريقيا، وفي بطنه بكتيريا H. pylori. و لما هو وعشيرته قرروا يمشوا شمال ويطلعوا من أفريقيا قبل حوالي 60,000 سنة، البكتيريا ركبت معاهم، ولما المجموعة اتفرقت وناس مشوا لأوروبا وناس لآسيا وناس عدوا البحر لأستراليا، البكتيريا اتفرقت معاهم وتفرعت هي كمان، يعني البكتيريا دي عبارة عن "جواز سفر بيولوجي" بيحكي قصة هجرة البشرية بدقة مدهشة، والعلماء الليلة بيستخدموا شجرة عائلة الجرثومة عشان يتتبعوا طرق الهجرة القديمة بتاعت أجدادنا.
والأرقام هنا بتوقفك: التنوع الجيني في بكتيريا H. pylori أكبر بـ 50 ضعف من التنوع الجيني عند البشر أنفسهم، يعني البكتيريا دي عندها "ذاكرة جينية" أغنى وأدق من ذاكرتنا نحنا، وعشان كدة العلماء قسموها لسبع عائلات كبيرة، كل عائلة بتتبع هجرة بشرية معينة: عائلة اسمها (hpAfrica1) وعائلة (hpAfrica2) الموجودة عند شعوب السان (الخويسان) في جنوب أفريقيا ودي أقدم سلالة على وجه الأرض، وعائلة (hpEurope) وعائلة (hpEastAsia) وغيرهم، كل واحدة فيهم بتحكي فصل من فصول رحلة الإنسان على كوكبنا ده.
وعشان القصة تكتمل وتبقى "سينمائية" فعلاً، لازم نحكي عن "أوتزي" (Ötzi the Iceman). في سنة 1991، مجموعة متنزهين في جبال الألب بين إيطاليا والنمسا لقوا جثة متجمدة محفوظة بشكل مذهل عمرها 5,300 سنة، الراجل ده عاش في العصر النحاسي وكان لابس جلود ومعاه أدوات صيد، ومات في الجبل واتجمد وفضل محفوظ لآلاف السنين.
العلماء في 2016 نشروا دراسة في مجلة Science قالوا فيها إنهم استخرجوا من معدة أوتزي جينوم كامل تقريباً لبكتيريا H. pylori (92% من الجينوم بتغطية عالية جداً). البكتيريا اللي لقوها كانت شرسة (موجبة لجين CagA الخطير)، ولقوا كمان بروتينات التهابية بتثبت إنو الراجل ده كان عنده التهاب معدة نشط وهو حي.
الاكتشاف الأهم كان إنو بكتيريا أوتزي كانت من سلالة آسيوية شبه نقية (hpAsia2)، مختلفة تماماً عن البكتيريا الأوروبية الحديثة اللي هي خليط من سلالتين (آسيوية وأفريقية)، ده معناه إنو المكون الأفريقي اللي في بكتيريا أوروبا الحديثة وصل لأوروبا في آخر 5,000 سنة بس، يعني مع موجات الهجرة في العصر البرونزي، بكتيريا عمرها آلاف السنين قاعدة تحكي لينا تاريخ شعوب ما قدرت الكتب تحكيه.
ونحنا كسودانيين وأفارقة عندنا مكان خاص جداً في القصة دي، السلالات الأفريقية من H. pylori هي الأقدم والأكثر تنوعاً جينياً على وجه الأرض، وده لأنو العلاقة بين الإنسان الأفريقي والبكتيريا دي هي الأطول زمنياً.
الباحث مودلي (Moodley) وفريقه في 2012 رجعوا بالتاريخ أبعد وقدروا عمر العلاقة دي بـ 88,000 لـ 116,000 سنة، يعني البكتيريا دي تقريباً بنفس عمر الإنسان الحديث (Homo sapiens) ذاته، واكتشفوا حاجة غريبة جداً: في بكتيريا قريبة من H. pylori اسمها (H. acinonychis) بتعيش في معدة الأسود والفهود الكبيرة في أفريقيا، والبكتيريا دي ما جات للأسود من جد مشترك، بالعكس، هي انتقلت من الإنسان للأسود قبل حوالي 50,000 سنة. يعني نحنا اللي "عدينا" البكتيريا للحيوانات، مش العكس.
كل الكلام ده بيوصلنا لنقطة جوهرية ومهمة جداً لازم نفهمها قبل ما نمشي لبقية السلسلة: كائن عاش مع الإنسان 100,000 سنة كاملة، وتبعه في كل هجرة، وتكيف مع كل بيئة، وعدى معاه عصور جليدية ومجاعات وأوبئة، الكائن ده ما ممكن يكون مجرد "عدو" أو "طفيلي" وخلاص.
العلاقة دي أعقد بكتير من كدة. فيها جوانب ضارة فعلاً، وفيها جوانب مفيدة ومحيرة، وده بالضبط اللي حنكتشفه في البوست الجاي لما نعرف إنو نفس البكتيريا اللي بتسبب قرحة المعدة ممكن تكون هي اللي بتحمي أطفالنا من الربو والأكزيما.
البوست القادم: صديق ولا عدو؟ المفارقة الكبيرة لجرثومة المعدة.
#عيادات_بيت_العافية #عيادة_الجلدية_أون_لاين #جرثومة_المعدة_والجلد
