هل الطب ساهل

لما تجيك نفس الروشتات في الصيدلية لنفس الشكاوى، ولما تشوف نفس الفحوصات تطلب لنفس الأعراض، ولما تلاحظ إنو ناس كتار أخدوا نفس الحاجة وكلهم قالوا اتحسّنوا، هل ده فعلاً بيديك حق تمارس الطب على نفسك وعلى غيرك بدون انتباه عميق ولا تدريب منهجي؟

لو المسألة بالبساطة دي، ما كانت دراسة الطب بكل تعقيدها ولا ممارستو بكل ما فيها من ضغط ومسؤولية أمر صعب للدرجة دي، ولا كان التأهيل ليهو بياخد سنوات من العمر تحت الامتحان والخطأ والخوف من تفويت ما هو مهم للممارسة.

صحيح إنو أغلب الحالات البتصل مراكز الخدمة الصحية هي أمراض شائعة وبسيطة في ظاهرها، زكام، ملاريا، حمى تيفويد، التهابات متكررة، وده البخلي المساعدين الطبيين قادرين يسدوا جزء كبير من الخدمة اليومية في الطب العام والجلدية والعيون وغيرها

لكن المشكلة إنو الناس بتفتكر إنو ده هو الطب، بينما الدور الحقيقي للطبيب، وخصوصاً الأخصائي، ببدأ خارج المساحة دي، في الانتباه للحالات القليلة البتجيك بمظهر مرض عادي لكنها في الحقيقة شيء تاني خالص، مرات نادر، مرات خطير، ومرات قاتل. مثلا تشوف إكزيما عادية لكنها ممكن تطلع سرطان لمفاوي في الجلد، ودي حاجة صعبة حتى على الأخصائي من أول مرة، والفرق هنا ما في الذكاء، بل في الخبرة، والمتابعة، وعدم الاطمئنان للظاهر.

الطب برضو ما معرفة محفوظة، بل هو معرفة متحركة، الزول الكان شاطر قبل عشر سنين، لو وقف مكانو، ممكن يكون خطر الليلة. لأن العلم بتطور، طرق تشخيص الملاريا اتغيرت، وخطوط علاج الضغط والسكري والصرع اتبدلت، وأمراض كتيرة اتفهمت بصورة مختلفة، والممارسة بدون متابعة مستمرة بتتحول مع الزمن من خدمة إلى أذى، حتى لو النية طيبة.

والخبرة ذاتها ما بتجي من الكتب ولا من تكرار الحالات السهلة، وإنما من التراكم اليومي مع الانتباه، من الحالات المركبة البتدفع للتفكير، من المرضى الما استجابوا للعلاج الأول، من الاضطرار للتفتيش في خيارات غير شائعة، ومن أخطاء سابقة دفعت تمنها وتعلمت منها.

وفوق كل ده، الطب قرار يُتخذ تحت عدم اليقين، في حالات كتيرة إنت ما متأكد، إنت بترجّح، بتحسب احتمالات، وبتختار أقل الخيارات ضرراً في الزمن المناسب.

النوع ده من التفكير ما بجي بالحفظ ولا بالمشاهدة، بجي بتدريب طويل ومنهجي. لأنو المرض في الواقع ما بجي زي ما في الكتاب، الكتب بتوريك نسخة نظيفة، بأعراض كاملة، لكن الواقع مليان تشويش: أعراض ناقصة، أعراض زايدة، أمراض متداخلة، أدوية المريض ما ذكرها، معلومات ناقصة بدون قصد، والتعامل مع الضباب ده مهارة قائمة بذاتها.

ثم إنو نفس المرض ما بالضرورة نفس العلاج، لأن العمر، الجنس، البيئة، الحالة النفسية، الثقافة، القدرة المادية، والالتزام، كلها عوامل بتغير القرار. الطب ما جهاز متعطل بنصلحو، الطب تعامل مع إنسان كامل. وأخطر الأخطاء الطبية ما هي الأخطاء الواضحة، بل الأخطاء شبه الصحيحة: تشخيص قريب من الصاح، علاج مناسب لكن في توقيت غلط، لأنها بتدي إحساس زائف بالأمان وبتأخر الوصول للحقيقة.

وفي الطب، مرات أهم مهارة هي إنك ما تعمل حاجة، تعرف متين تعالج، ومتين تنتظر، ومتين تحوّل، ومتين تعترف إنك ما عارف. غير المدرَّب غالباً بعالج كل شيء فوراً لأن التوقف ذاته محتاج ثقة حقيقية، ما ثقة زائفة. والطب كمان ما لحظة واحدة، هو سياق ممتد، متابعة، مراجعة، وتعديل قرار، والزول البشوف حالة ويختفي غالباً ما بشوف نتيجة اختياره.

وكل ده حاصل تحت ضغط إنساني حقيقي، مريض خائف، أهل قلقانين، وقت ضيق، موارد محدودة، ونظام صحي مرات بكون معطوب، واتخاذ قرار سليم وسط الضغط ده مهارة ما عندها علاقة بحفظ المعلومات.

السوء العايشين فيهو اليوم في السودان، أو حتى في العالم كله مع اختلاف الدرجة، ما مبرر إنو الناس تطبّع مع ممارسة الطب بإهمال ولا تخلي الثقة الزائفة تحل محل التأهيل، وما ممكن الاستثنائي الناتج من انهيار النظام يبقى هو القاعدة.

الطب يبدو ساهل بس للزول البشوفو من بعيد أو من الحالات المتكررة، لكن جوهره الحقيقي بيظهر في الاستثناء، في الشك، في التوقيت، وفي الإحساس العميق بالمسؤولية، وأخطر حاجة اليوم ما قلة المعرفة، بل الثقة الزائدة غير المتناسبة مع حجم الجهل.

#عيادات_بيت_العافية

#عيادة_الجلدية_أون_لاين

⚕️ هذا المحتوى للتثقيف الصحي العام ولا يغني عن الاستشارة الطبية. لحالتك الخاصة يمكنك حجز استشارة بالعيادة.
استشارة عبر واتسابتابعنا على تلغرام