
كثير من مرضى البهاق يسألون نفس السؤال:
“يا دكتور، لماذا كل من عنده بهاق تُوصف له حبوب فيتامين ب 12؟ ما علاقة ذلك بالبقع البيضاء في الجلد؟”
المسألة ليست سحراً ولا “فيتامين معجزة”، لكنها مدخل جميل لفهم جانب ناقص من قصة البهاق. فيتامين ب 12 ومعه الفوليك أسيد هما جزء من منظومة كيميائية داخل الجسم تنظّم مادة اسمها الهوموسيستايين. عندما يختلّ هذا التوازن ويرتفع الهوموسيستايين، يصبح أكثر سمّية على الخلايا الملوِّنة في الجلد، ويضعف عمل الأنزيم المسؤول عن تصنيع الصبغة. هنا تأتي فكرة العلاج: إعطاء ب 12 مع الفوليك أسيد لا “يطفيء” المرض وحده، ولكنه يقلّل واحداً من العوامل التي تضغط على الخلايا الصباغية، خاصة إذا جرى ذلك بالتوازي مع العلاج الضوئي أو العلاجات الأخرى المعروفة للبهاق.
بعد أن نفهم هذا الباب، يصبح من الأسهل أن نلتفت لعناصر أخرى أقل شهرة عند الجمهور لكنها لا تقلّ أهمية، وعلى رأسها الزنك. الزنك ليس مجرد “مكمّل عام”، بل عنصر يدخل في عمل مضادات الأكسدة داخل الجلد، ويساعد الخلايا الصبغية أن تتحمّل ضغط الجذور الحرة والتلف الناتج عن الالتهاب والضغوط البيئية. الملفت في الدراسات التي أُجريت على مرضى البهاق – خاصة في السودان – أن نسبة كبيرة منهم تعاني من نقص واضح في الزنك مقارنة بغير المصابين. هذا لا يعني أن نقص الزنك هو السبب الوحيد للبهاق، لكنه يعني أن كثيراً من المرضى يدخلون المعركة أصلاً ودرعهم مضروب ومثقوب.
فيتامين د أيضاً حاضر بقوة في هذا المشهد، لكن من باب آخر. هو فيتامين–هرمون يؤثر في المناعة، يهدّئ بعض مسارات الالتهاب، ويُستخدم أساساً لعلاج هشاشة العظام. كثير من مرضى البهاق لديهم نقص في فيتامين د، ربما بسبب قلة التعرّض للشمس أو نمط الحياة أو عوامل أخرى. لكن حتى الآن، لا توجد أدلة كافية لنقول إن تعويض فيتامين د وحده يعالج البهاق؛ دوره أقرب لأن يكون جزءاً مساعداً من الخلطة العلاجية، لا بديلاً عن العلاجات الأصلية ولا طريقاً مختصراً لتجاوزها.
ثم تأتي عناصر أخرى تقف في منطقة رمادية من الناحية العلمية، مثل النحاس والحديد. النحاس مهم لإنزيم يصنّع الميلانين، وبعض الدراسات تشير إلى انخفاضه عند مرضى البهاق، وأخرى لا تجد فرقاً واضحاً، وربما يختلف ذلك بين الشعوب والعادات الغذائية. الحديد وقصته مع البهاق أكثر تعقيداً؛ فالمشكلة عند بعض المرضى ليست في الحديد نفسه، بل في وجود أمراض مناعية مصاحِبة مثل فقر الدم الخبيث تؤثر على امتصاص فيتامين ب 12 وتظهر بصورة أنيميا قد تختلط على المريض والطبيب في البداية.
المهم هنا أن نفهم الخط الفاصل: هذه العلاقات بين البهاق وبين فيتامين ب 12 والفوليك والزنك وفيتامين د والنحاس والحديد ليست علاقات سببية بسيطة من نوع “نقص العنصر = ظهور البهاق”، وليست دعوة لبدء تناول حفنة من المكمّلات على أمل اختفاء البقع. هي أشبه بخريطة تُذكّرنا أن البهاق مرض معقّد، فيه مناعة، وفيه أكسدة، وفيه عناصر دقيقة إذا اختلّت ساهمت في ترجيح كفّة المرض على حساب كفّة التعافي.
لذلك، الرسالة المتوازنة للمرضى والأطباء معاً هي: من الحكمة – خاصة في مجتمعات مثل السودان حيث نعرف أن نقص بعض هذه العناصر شائع – أن نقيّم هذه الجوانب عندما يكون ذلك متاحاً، وأن نصحّح النقص الواضح بجرعات مدروسة وتحت إشراف طبي. لكن في الوقت نفسه، يجب أن يبقى واضحاً في الذهن أن المكمّلات الغذائية ليست بديلاً عن العلاج الضوئي، ولا عن الكريمات الموضعية، ولا عن المتابعة المنتظمة. هي فقط جزء من الصورة الكبرى، إذا أهملناه ربما نخسر فرصة لتحسين ظروف المعركة، وإذا بالغنا في تعظيمه تحوّل من أداة مساعدة إلى وهم جديد يستهلك المال والوقت بلا جدوى.
#عيادات_بيت_العافية
#عيادة_الجلدية_أون_لاين
