
وصلتني الرسالة من مريض شاب عبر العيادة الأونلاين، يشكو من حكة غريبة في منطقة الإحليل، لا في الجلد الخارجي كما اعتدت أن أسمع، بل في الداخل، في مجرى البول نفسه. قال إنها مزعجة لكنها ليست مؤلمة، ولا يرافقها حرقة أو إفراز، وإنه – بعد أن استشار "شات جي بي تي" – ازداد قلقًا أكثر مما اطمأن، إذ قرأ هناك عن احتمالاتٍ ثقيلة: التهابات، أمراض جنسية، بروستاتا، وسلسلة من التشخيصات التي تكفي وحدها لإرهاق أعصاب من لا خبرة له بطبّ الأعراض.
لفتني في وصفه أنه لم يذكر أي علامة من علامات العدوى التي نعرفها، فبدأت أسأله بتؤدةٍ، كمن يفتّش في خريطة دقيقة:
"هل الحكة في الجزء الخارجي من الإحليل؟ في الثلث الأخير منه؟"
فجاء صوته مدهوشًا، كمن اكتُشف سره:
"نعم! بالضبط هناك… كيف عرفت؟"
ابتسمت. لم أكن أتنبّأ، بل أستحضر درسي القديم في التشريح. ذلك الجزء من الإحليل لا يتبع أعصاب الجهاز البولي بقدر ما يتغذى من فرعٍ حسيّ دقيق للعصب الفرجي، وهو نفسه الذي يتأثر بالجلوس الطويل والضغط المزمن في منطقة الحوض. ومن هناك، بدأت خيوط المنطق تتشابك.
المريض ذكر في تاريخه أنه أصيب مؤخرًا بحمّى الضنك. وأنا أعلم – من قراءاتي في أدبيات ما بعد العدوى – أن الضنك لا يرحل دومًا بهدوء، بل قد يترك خلفه اضطرابات عصبية صغيرة، خفيّة، تتنكر أحيانًا في شكل نمنمة أو حكة موضعية أو فرط حسٍّ في منطقة بعينها. فإذا جمعنا بين العصب الفرجي الذي يعاني من ضغطٍ بسبب نمط الحياة الخامل، وجهاز عصبيٍّ مثقَلٍ بآثار التهابٍ فيروسي سابق، ومع غياب أي دلائل على التهابٍ حقيقي، بدا لي أن الصورة تكتمل.
لم تكن الحكة إذًا إلتهابا في الإحليل... بل إعتلالا في العصب الذي يُغذيه، وكان السؤال الذي طرحته — عن موضعها في الثلث الخارجي — هو المفتاح لاكتشاف أصلها. سؤالٌ صغير، وُلد من ذاكرة تشريحية قديمة، لكنه حمل في طيّاته التشخيص كله.
ثم عادت إلى ذهني تلك الفكرة التي تتكرر كلما تعاملت مع مريضٍ سبق أن جرّب الذكاء الاصطناعي: إن شات جي بي تي، مهما بدا ذكيًا، لا يمنح المريض أكثر مما يمنحه بحث غوغل، لأن المشكلة ليست في الأداة بل في الترجمة. فالمريض يملك الكلمات، لا السياق. يعرف الأعراض، لا الخرائط. يقرأ "حكة في الإحليل"، لكنه لا يدرك أن تحديد موضعها في الثلث الخارجي يحمل معنى تشريحيًا دقيقًا، وأن اختلاف ميليمترات معدودة قد يغيّر التشخيص من التهابٍ إلى اعتلالٍ عصبي.
حتى الأطباء — كما تقول الدراسات — لا يستفيدون كثيرًا من الذكاء الاصطناعي حين يتعاملون معه كمخزن معلومات. لأن قيمته ليست في ما يبحث عنه، بل في ما يتعرّف عليه من أنماط، حين يُزوّد بالموقع، والتسلسل، والعلاقة بين الأعراض. لكنه يُصبح عاجزًا حين يُعامَل كموسوعة.
ليست القصة إذًا عن مريضٍ أصيب بالحكة، ولا عن طبيبٍ خمّن موضعها، بل عن الطريقة التي يُبنى بها التفكير الطبي نفسه: من معرفة تشريحية تُنير الطريق، إلى قراءة علمية تربط بين الظواهر، إلى استنتاجٍ يخرج من رحم المنطق لا من نتائج التحليل.
الطب ليس تكرارًا لما نعرفه، بل فنّ الإصغاء لما لا يُقال، والتقاطُ الإشارة الصغيرة التي تمرّ كهمسةٍ بين الأعراض، لتقودك إلى تشخيصٍ لم تكتبه الكتب بعد… لأن الجسد، دائمًا، أصدق من خيالاتنا، وأعمق من شاشاتنا.
#عيادة_الجلدية_أون_لاين #عيادات_بيت_العافية
