
وصلتني الصورة عبر العيادة الأونلاين، ولم تكن المرة الأولى التي أرى فيها طفحًا جلديًا في هذا الموضع، لكن كان في شكله ما لا يُطمأن إليه، بقعة داكنة، بملمسٍ خشنٍ قليلًا، كأن الجلد أثقل من حوله، لكن دون أي مؤشرات التهابية نشطة، ولا حدود واضحة، ولا تقشّر ظاهر، فقط اختناق لوني موضعي... مألوف وغير مألوف في آنٍ واحد.
كان بموضع جانبي من البطن، جهة واحدة فقط، ولا يبدو أنه تحرّك منذ ظهوره، مما زاد من استغرابي، لأن الإكزيما – كما عرفناها – لا تسكن مكانًا بهذا الانضباط، ولا تقتصر على جهة واحدة إلا إن وُجد سبب مباشر: ملامسة، تحسس، أو احتكاك.
حين بدأت أسألها عن التاريخ المرضي، بدا لي أن ما كان يُعامل كإكزيما موضعية طوال ثمان سنوات، لم يكن كذلك قط. المكان لم يتغير، الأعراض لم تغير موضعها، والعلاجات التي جُرّبت كلها لم تُحدث فارقًا يُذكر. كانت تتحدث بثقة من خَبِرَ الداء ولم يُفلح في دحره، حتى ظنّته جزءًا من جلدها لا أكثر.
لكنها قالت جملة عابرة، دون أن تدرك أنها فتحت بها باب التشخيص على مصراعيه: "يا دكتور، الحكة دي بتزيد لما أقح."
هنا تحديدًا... تحوّلت الجملة من سردٍ لعرضٍ مزمن، إلى علامة تشريحية بليغة. السعال يزيد الضغط داخل البطن، يشدّ على العضلات، يُحرّك ما بين الضلوع، يضغط على الأعصاب الخارجة من العمود الفقري في طريقها للجلد... والسؤال هنا: أي عصب يمر من هنا؟ وماذا لو كان مختنقًا؟
تذكرت الحالة المعروقة نوتالجيا باراستيتكا، تلك الحكة العجيبة التي تصيب منطقة ما بين الكتفَين دون طفح واضح، نتيجة انضغاط عصب صدري خلفي عند خروجه من العمود الفقري. وتساءلت: ولم لا؟ إن كان العصب الخلفي قد يسبب كل هذا الإزعاج دون وجود طفح أولي، فالعصب الأمامي أولى بالظن، لا سيما إن كان يخرج من نفس الجذر، ويمر من بين العضلات حتى يصل الجلد... تمامًا في الموضع الذي كانت تشير إليه الصورة.
فتحت المصادر، وبحثت عن متلازمة لم أتعرّف إليها من قبل كتشخيص شائع، لكني كنت أعرف أنها يجب أن تكون موجودة في مكان ما، فالأجساد لا تخترع الأعراض من فراغ. وجدت اسمها كما توقعت: "متلازمة انضغاط العصب الجلدي الأمامي" – وهي ليست شائعة، لكنها مذكورة، موثقة، وشُرحت في دراسات عصبية دقيقة، بل وحتى تدخلاتها العلاجية مُصنفة ومعروفة.
وهنا أدركت شيئًا كدت أنساه: ليس ما يميز الطبيب عدد الأمراض التي يعرفها، ولا حجم الذاكرة التي يحملها في رأسه، بل وعيه بما لا يعرف، وجرأته على مراجعة طريقة تفكيره، كلما أشار له عرضٌ صامت بأن الطريق ليس كما يظنه.
إن الطب، في جوهره، ليس إعادة إنتاج لما حفظناه، بل فنّ اكتشاف ما أغفلناه، بناء على ما تعلمناه من تشريح الجسد وفسيولوجيته ومناعته، ومن ظنّ أن المعلومة وحدها تصنع الطبيب، فلينظر كيف يمكن لعرضٍ صغير – كحكةٍ تشتد مع السعال – أن يكون دليلك لتشخيص لم تدرسه من قبل، لكن يمكنك استنتاجه من الأساسيات.
لذلك، كان لزامًا أن أكتب هذه القصة... لا لأضيف مرضًا نادرًا إلى قائمة التشخيصات التفريقية، بل لأذكّر نفسي وغيري أن الطب لا يُمارَس كحرفة تُكرّر فيها المألوف، بل كعلمٍ حي، يستدعي صاحبه إلى أن يكون يقظًا دائمًا، مستعدًا لسؤالٍ جديد، واستكشافِ جوابٍ غير متوقّع... ففي كل جسدٍ حكاية، وفي كل عرضٍ مفتاحٌ لتشخيصٍ لم يُكتب بعد.
#عيادة_الجلدية_أون_لاين #عيادات_بيت_العافية
ملحوظة: الصورة من مجلة طبية
